ابن عربي

98

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

الحسنى تفلنها ، أي من محل الكلام والفهوانية والألسن والخرد مقام الحياء « 1 » ، والخفر فيه إشارة إلى المشاهدة ، ولا سيما وقد تقدم ذكر الحسان ، ثم جعلها من باب الجود والمنة ، لا من باب الكسب والطلب ، فقال : جاد بها ، وقوله : كالمسك ، يجمع بين الشم والذوق . [ قلب العارف التقي النقي ] وقال رضي اللّه عنه : يا أيّها البيت العتيق تعالى * نور لكم بقلوبنا يتلألأ البيت العتيق القديم ، وهو قلب العبد العارف التقيّ النقيّ الذي وسع الحق سبحانه حقيقته ، وقوله : تعالى ، يقول : ارتفع لكم نور من القلوب شعشعاني وظهر على الألسنة والعيون والأسماع وسائر الجوارح ، فكان العبد في هذا المقام يسمع باللّه وبه يبصر وبه يتكلم وبه يبطش وبه يسعى ويتحرك ، فإنّ القلب من الجسد مثل النقطة من المحيط في الوسط ، فالمحيط منها من كل جانب علوّا ، فلهذا قال : تعالى : أي اطلب العلوّ من معدن انبعاثه فيلقى الجوارح فيصرفها بحسب ما تعطيه من الحقائق فما تعالى منه إلى العين قيل فيه : هذا الحق بصره ، وإلى الأذن قيل : هذا سمعه ، وإلى الرّجل قيل : هذا سعيه ، فناب من هذه صفته في الخلق مناب الحق ، فكان خليفة حق في أرض صدق لإقامة ميزان عدل عن امتنان وفضل . أشكو إليك مفاوزا قد جبتها * أرسلت فيها أدمعي إرسالا يصف حاله في سلوكه وسفره وما قطع في طريقه من الرياضات والمجاهدات التي كنّى عنها بالمفاوز ، وقوله : أرسلت فيها أدمعي إرسالا حالة شوقية للقاء المحبوب والظفر بالمطلوب . أمسي وأصبح لا ألذّ براحة * أصل البكور وأقطع الآصالا يقول : تركت الراحات وأخذت بالعزائم والشدائد لبلوغ المقصد ، فإن الهمم تعلقت بعظيم عزيز الحمى الطريق إليه وعرة صعبة وعقبتها كؤود « 2 » فليس يوصل إليها إلّا بالاتضاع . إنّ النياق ، وإن أضرّ بها الوحي « 3 » * تسري وترفل في السّرى إرفالا يقول : الهمم وإن أعيت لعزة المطلوب فإنها مع ذلك لا تفتر ، فإنّ الأدلة العقلية

--> ( 1 ) الحياء : هو ما يمنعك عما يضرك ، وسببه ملازمة من يستحيا منه كأهل العلم والأدب ، وثمرته الأمن من المقت والعذاب وخفة الحساب ، وهو ممدوح ومطلوب . ( للتوسع انظر الرسالة القشيرية ص 214 - 218 ( الحياء ) ، والفتوحات المكية 3 / 403 ) . ( 2 ) عقبة كؤود : صعبة . ( 3 ) في نسخة أخرى : الوجى .